الحرية نيوز - بغداد: طوال السنوات الست الماضية جرب العراقيون نظام الراسين في واشنطن جورج بوش الابن (الرئيس) وديك شيني (النائب).
واذا كان كل من بوش وشيني ينتميان الى المدرسة ذاتها وهي مدرسة المحافظين الجدد الا ان مهمة تغيير النظام العراقي السابق التي كانت تبدو مستحيلة بدون تدخل عسكري اميركي لعب فيها الثلاثي شيني ـ ولفوتز ـ رامسفيلد دورا بارزا وهو ماجعلها ممكنة عندما تمكنت الجيوش الاميركية من اسقاط نظام صدام حسين ودخول بغداد في التاسع من نيسان عام 2003.
بعد ان كثرت اخطاء الادارة الاميركية واخطاء المعارضة العراقية التي هي الان تمسك بزمام السلطة بدا البحث في كل من واشنطن وبغداد عن اكثر من كبش فداء. ففي بغداد كان عراب الاحتلال احمد الجلبي هو الضحية عندما علق الاميركيون على شماعته كل عوامل فشلهم بينما حمله العراقيون بعد ان ذاقوا الامرين مما كانوا يتصورونه حلما اميركيا بالديمقراطية والتقدم مسؤولية دليل الاحتلال فكان نصيبه الفشل تلو الفشل عند كل انتخابات برلمانية.
وفي واشنطن جاء الدور على وزير الدفاع دونالد رامفسيلد ليصبح هو الضحية التالية لاسيما بعد (ام الفضائح) الاميركية وهي فضيحة سجن ابوغريب. فماهي الا فترة قصيرة بعد تلك الفضيحة حتى استقال او اجبر رامفسيلد على الاستقالة. بين هذا وذاك ظل ديك شيني المخضرم عرابا للجميع بمن في ذلك رئيسه بوش الابن الذي وان كان يمسك بكل سياسات البيت الابيض الا انه كان يعتمد كليا على شيني الذي ربما يكون اقوى نائب رئيس اميركي طوال عقود من الزمن بل وحتى اقوى من رؤساء اميركان سابقين.
بايدن وعراقيوه
قبل ان ينظم السناتور جوزيف بايدن الى حملة باراك اوباما الانتخابية كنائب للرئيس سبقته شهرته الى العراقيين. فايام رئاسته للجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الاميركي وايام لم يكن اوباما سوى سناتور مغمور قبل ان ترفعه موجة التغيير الاميركية الى عنان السماء كان بايدن صاحب الخطة المشهورة كخارطة طريق لحل مشاكل العراق وذلك بتقسيمه الى ثلاث دويلات على اسس عرقية وطائفية. ثارت ثائرة العديد من القوى السياسية العراقية في وقتها لاسيما تلك المتمسكة بالنظام المركزي او تلك التي ترفض الفيدرالية. لكن قوى عراقية اخرى وجدت في خطة بايدن نوعا من الحل للمازق العراقي.
لكن هناك من بين السياسيين العراقيين من استخف بطروحات بايدن التقسيمية معتبرا ان هناك من بين رجال السياسة في العراق من هو اخطر من بايدن. بل ان احدهم قال ان لدينا نحو 20 بايدن يؤمن بكل انواع التقسيم. غير ان هناك من قال ان لدى العراق دستورا وقد تم التصويت عليه وان هذا الدستور برغم الخلافات يشكل خارطة طريق لكل المشاكل والخلافات بين مختلف الاطراف. وعندما فاز اوباما بالرئاسة واصبح بايدن نائبا له لم يتحدث عن هذا المشروع. وانطلاقا من ذلك فان مؤيدي بايدن قالوا (المية تكذب الغطاس) بحسب التعبير المصري نظرا لتراجع بايدن عندما امسك العصا من الوسط. بينما المعارضون قالوا ان بايدن كان ربما ينطلق من دوافع اخرى جعلته يتراجع حتما عندما اصبح نائبا للرئيس ولكن المشكلة التي باتت تواجه الجميع هو ان بايدن اصبح الان بمواجهة الجميع من خلال تكليفه رسميا بمهمة مسك الملف العراقي بعد الانسحاب.
انت وربك يابايدن
الامر بالنسبة للرئيس باراك اوباما ازاء نائبه بايدن بدا وكانه يشبه ما قاله اليهود لموسى (اذهب انت وربك فقاتلا). اوباما اوكل المهمة المستحيلة لبايدن بعكس تلك المهمة التي كانت مستحيلة وبدت ممكنة على عهد بوش ـ تشيني. فاسقاط نظام بالجيوش امر ممكن لكن بناء نظام بالحوار والديمقراطية مع تباين الرؤى والقناعات يبدو امرا شبه مستحيل. واليوم حين يشرع بايدن بهذه المهمة وسط كل هذه الاجواء المشحونة بالخلافات يبدو وكأن اوباما اراد بهذا التكليف ان يجعله اشبه بـ (اسقاط فرض) حتى يقال ان واشنطن لم تتخلى عن العراق في مرحلة مابعد الانسحاب. او انه منح نائبه كامل الصلاحيات التي يراها مناسبة لفعل مايريد في العراق بما في ذلك احياء خطته التقسيمية.
الامر بالنسبة للحكومة العراقية ومعارضيها من جهة ومؤيديها من جهة اخرى لا يبدو سهلا. فطريق بايدن مملوء بالحفر وتحيطه الشكوك والاشواك معا. فالحكومة التي يراسها نوري المالكي تصنف نفسها على انها حكومة وحدة وطنية, لكنها لم تعد تبدو كذلك حتى بالنسبة لاقرب حلفائها. اما بالنسبة لمعارضيها فهي حكومة طائفية مرة وحكومة احتلال مرة اخرى. وبين هذا وذاك يبدو الامر في غاية الصعوبة. فالحكومة لاتريد ان تتنازل عما تعتبره استحقاقات او انجازات برغم الاخفاقات المختلفة. اما معارضوها الذين يراد دمجهم وفق قاعدة المصالحة الوطنية او السياسية فان منهم من يريد ان يشاركها صنع القرار (ففتي ـ ففتي) ومنهم من يريد ان ينتزع منها كل القرار لانه لا يزال يعتبر نفسه هو السلطة الشرعية بينما هي من صنع الاحتلال.
امام بايدن كل هذه الملفات, المصالحة مع البعثيين, المصالحة مع من هم في الداخل, تفعيل العلاقات الثنائية بين الاطراف المشاركة في العملية السياسية, عربا واكرادا, شيعة وسنة. المعلومات التي بحوزة (الرأي) تشير الى ان هناك خطوطا مفتوحة او باتت مفتوحة بين الاميركان واطراف من حزب البعث. ثم ان تخويل العديد من الفصائل المسلحة لامين عام هيئة علماء المسلمين الشيخ حارث الضاري النطق باسمها والتفاوض باسمها لايكاد يكون بعيدا عن ذلك.
الوضع في الداخل لا يبدو سهلا, التوقعات تشير الى ان هناك المزيد من الخوف والقلق بات يسيطر على الجميع كلما اقترب موعد الاستحقاق الانتخابي انطلاقا من متغير مهم وهو تغيير الخارطة السياسية. ولعل اهم ما في الامر هو تراجع حظوظ الاسلاميين امام الناخبين دون ان يتبلور بعد تيار سياسي بديل. وهذا الامر يمكن ان يجعل مهمة بايدن اكثر صعوبة ان لم تكن مستحيلة. فالقوى السياسية الممسكة بزمام السلطة فشلت لكن بلا بديل. اما البديل فلايزال غير قادر اما على تحمل المسؤولية بسبب التركة الثقيلة او انها غير قادر على التاقلم مع مفاهيم الديمقراطية الاميركية.
فالعديد من الفصائل المسلحة المعارضة هي الاخرى اسلامية وبالتالي فانها لاتصلح بديلا لانها قد لاتختلف في حال استلامها السلطة عن تلك الموجودة الا بتغيير الموجة الطائفية. اما البعثيون فانهم يريدون من الاميركان ان يسلموهم السلطة دون قيد او شرط بحيث يظل خطابهم هو نفسه خطاب ما قبل التاسع من نيسان وهو امر مستحيل بالنسبة للجميع ماعدا البعثيين. هو امر مستحيل بالنسبة للاميركان الذين هم ليسوا بالسذاجة التي لايزال يتصورهم عليها عزة الدوري ولا بالنسبة للعراقيين الذين يريدون سلطة جديدة تفهم ان للمواطن حاجات اساسية اهمها الخدمات والامان والاستقرار مع ديمقراطية معقولة. هل يبدو بايدن عرابا لكل هذه الملفات الشائكة؟ السؤال شائك هو الاخر واجابته مثل مهمة بايدن مستحيلة.
المشاركة في التعليق