الحرية ـ بغداد: لم يكن احد يتصور سواء في بغداد او في اي مكان اخر ان الاوضاع في ايران يمكن ان تبلغ ما بلغته من تداعيات سياسية وفقهية خطيرة عقب ظهور نتائج
الانتخابات الرئاسية التي تنافس اربعة كلهم يدينون بولاية الفقيه غير ان الخاسر الاكبر فيها هو الولي الفقيه نفسه.
وبصرف النظر عن قدرة النظام الايراني في احتواء ازمة ما باتت تطلق عليه وسائل الاعلام الايرانية بالمشاغبين فان التداعيات التي خلفتها الازمة هي التي سوف ترسم مستقبل علاقة ايران مابعد الانتخابات بمحيطها الجغرافي وبوزنها الدولي.ولعل العراق هو من بين اكثر الدول تاثرا بما يجري في ايران لاسباب عديدة جدا منها ماهي داخلية تتصل بطبيعة العلاقة الملتبسة اصلا بين البلدين اللذين خاضا حربا طويلة خلال عقد الثمانينات من العام الماضي, فضلا عن كون ايران ظلت حتى سقوط النظام العراقي السابق احدى اهم حواضن المعارضة الاسلامية الشيعية وما يترتب على ذلك من تداخلات مذهبية وسياسية. ومنها ماهو خارجي ويتمثل بطبيعة النظرة الاميركية الى ايران عقب احتلال العراق, وطبيعة النظرة الايرانية الى اميركا عقب الاحتلال. وهنا يجد المراقب السياسي نفسه ازاء نظرتين مختلفتين من كلا الجانبين. ففي الوقت الذي كانت ومازالت النظرة الاميركية الى ايران واحدة بوصفها احد اضلاع (محور الشر) حسب توصيف الرئيس الاميركي السابق بوش الابن, فان ايران تنظر الى اميركا بعينين اثنين وليس بعين واحدة. فايران تدعم بقوة الحكومة التي جاء بها الاحتلال الاميركي المرفوض من قبلها, لكنها تقيم في الوقت نفسه افضل العلاقات مع هذه الحكومة لاسيما الائتلاف الشيعي الحاكم.ولكن ايران التي ايدت بقوة التغيير الذي قامت به الولايات المتحدة في العراق بالتخلص من صدام حسين فانها لاتزال تنظر بعين اخرى الى الولايات المتحدة بوصفها شيطانا اكبر وبالتالي فانها تدعم حق المقاومة العراقية في مقاومة الاحتلال الاميركي مع ان كلا من الاميركان والحكومة العراقية يطلقان على هذه المقاومة على انها حركات ارهابية. مالم يكن بالحسبان ماحصل في ايران بعد فرز اصوات الناخبين كان ولايزال بمثابة زلزال صامت في بغداد. فالنخب السياسية وان كانت لاتتحدث عما يجري الا انها قلقة جدا من نتائجه وتداعياته الانية والمستقبلية. واذا قسمنا هذه النخب السياسية فاننا نجد انها تدور حول مايلي.. هناك النخب والقيادات التي ترى ان مايحصل في ايران يمكن ان يؤثر على الوضع الداخلي العراقي لاسيما لجهة اصدقاء ايران داخل السلطة.فايران بعد ان حصل فيها ماحصل الى الحد الذي بات مركز الولي الفقيه مهددا لم تعد محل ثقة كاملة لحماية اصدقائها وحلفائها في الداخل. ومما يساعد على ذلك ان هؤلاء بداوا ينظرون الى ان مايحصل في ايران الان انما بسبب تحالفات بين قوى اقليمية في المنطقة مدعومة بالمال الخليجي وبمساعدة مخابراتية اميركية وغربية. وحتى في حال كون هذا الامر صحيحا او جزء من نظرية المؤامرة فانه يدل على ان الاوضاع في ايران ليست بمثل ماكان يجري الحديث عنه من تماسك وقدرة على المواجهة.واليوم حيث بدات احداث الشارع الايراني تاخذ مديات اكثر خطورة بحيث وصلت حد التعرض لولاية الفقيه ووجود تفكير لدى قيادات ومرجعيات بارزة في ايران للاتجاه لتشكيل مجلس قيادة جماعي بعد خطاب المرشد الاعلى في ايران علي خامنئي الذي اكد فيه انحيازه لصالح الرئيس محمود احمدي نجاد, فان السؤال المهم الذي يجري تداوله في اوساط النخبة السياسية في العراق هو .. كيف ننظر العراقيون للتطورات في ايران واين يمكن ان تكون مجالات التاثير فيها على اوضاعهم الداخلية؟ شهاب ومحرقة عراقيا يبدو ان السلطة الايرانية القائمة على مبدا ولاية الفقيه وهو المبدا غير المقبول من قبل مراجعيات كبرى سواء في ايران او في العراق (اية الله السيستاني من اكبر المعارضين لهذا المبدا) فانها لم تقرا الشارع الايراني قراءة جيدة مع ان هذا الشارع يتكون من محافظين واصلاحيين , فضلا عن الفسيفساء الايراني الذي يمكن ان يتاثر باية هزة قد يواجهها النظام وهذا ماحصل بالفعل الان. وهنا فان مايهم الشارع العراقي فانه وبصرف النظر عن كل مايمكن تسويقه من مبررات هنا او هناك فان ماحصل فاجا الجميع من حيث ان ايران ليست هي البلد او السلطة القائمة على وحدة وطنية متماسكة وهذه واحدة من اهم الرسائل التي وصلت الى الغرب والى اسرائيل ايضا. وبالتالي فان منطق المواجهة مع الغرب في حال استمرار ايران بالتعنت في المجال النووي يمكن ان يكون ليس لصالح ايران طالما ان الدماء سالت في شوارع طهران من اجل الانتخابات الرئاسية وبايحاء او ايعازمن الغرب مثلما يقول الخطاب السياسي الايراني. كما ان المجال السياسي والديني الذي يتحرك بموجبه المرشد الاعلى قد تعرض لهزة عنيفة يمكن ان تكون لها تداعياتها في المستقبل بالنسبة لدول المنطقة سواء القريبة من ايران اوالبعيدة عنها التي منحتها نتائج الانتخابات فرصة سانحة لقراءة الواقع الايراني ليس من خلال صواريخ شهاب 3 او خطب احمدي نجاد النارية ضد المحرقة وغير المحرقة اليهودية. كما ان قوة التدافع على السلطة في ايران بين من هو متمسك بثوابت الثورة الايرانية طبقا لما جاء بها الخميني ومن يريد ان يتطلع للمستقبل من زاوية علاقة جديدة مع الغرب واميركا فرق كبير جدا. من هنا تبدو الطبقة السياسية العراقية حائرة ازاء كيفية التعامل مع المعطيات الجديدة التي افرزتها احداث الايام الماضية والتي قد تستمر بضيغ اخرى. ومع انه من المبكر الحديث عن خيارات عراقية ازاء مايجري في ايران الا ان من الواضح ان الطبقة السياسية العراقية لاسيما التي ترتبط بعلاقات قوية مع ايران وتنظر اليها على انها عمقها السياسي والايدولوجي يمكن ان تواجه مازقا حادا خصوصا وان الخطاب المذهبي هو الطاغي على الخيارات السياسية العراقية بينما ايران الان تبدو في حيرة من اجل تضميد جراحها القومية وما يمكن ان تجره من تداعيات مستقبلية. ومن بين ابرز ما بات يواجه الطيقة السياسية العراقية اللصيقة بايران هي ان الاخيرة لم تعد مؤهلة لملء الفراغ الذي قد ينشا عقب الانسحاب الاميركي من العراق من زاوية استراتيجية لان النظام الايراني بات يحمل في احشائه الداخلية عوامل تناقضاته التي قد تحرق اخضر العراقيين بيابسه.
المشاركة في التعليق