الحرية نيوز - زيد الحلي
إطلالة تغييب المفكر عزيز السيد جاسم ، حلُُّت علينا مؤخرا وسط علامة إستفهام كبرى،تبحث عن حلٍ لطلسم لغز هذا التغييب .. فليس هناك من يضع يده على حقيقة ما جرى للسيد عزيز السيد جاسم ..ومازال محبو وتلامذة هذه الشخصية الكبيرة يبحثون عمن ينير لهم درب النفق المظلم الذي يدورون في فلكه !!؟
وها أنا ، أشكر نجله الشاب علي الموسوي ، حافظ إرثه ، الساعي دوما الى ان يبقى اسم والده المفكر ، شاخصاً وشامخاً في المنتديات الادبية والسياسية ، اشكر (علي) لأتصاله المستمر بيّ ، ودعوته للمساهمه في ذكرى تغييب والده..
في البدء ، اشكر الصحافة وزملائي الصحفيين وجميع محبي عزيز السيد جاسم وجريدة (الزمان ) في تبنيها لتقليد أخلاقي ومهني له أبعاده في الوفاء لرجل سطع علي الساحة الثقافية والفكرية والصحفية طيلة ثلاثة عقود ، ثم غيّب مثل سراب عاش خلاله أهله وأخوته ومعارفه وأصدقاؤه في دوامة التساؤلات الضبابية والإجابات المبهمة حتي جاء اليوم، الذي نشرت فيه ، مضطرا، علي صفحات جريدة الزمان في طبيعتها الدولية وفي ملحقها الثقافي قبل خمس سنوات من الآن مقالة بعنوان(عزيز السيد جاسم) أسدلت فيها الستار علي قضية عزيز السيد جاسم.. وربما لم يتح للبعض الإطلاع علي حيثيات هذه النهاية، فأرجو أن تتسع صدوركم لقراءتها بسطور قليلة: في عام 1999، تلقيت دعوة لزيارة تونس، وقد وصلتني هذه الدعوة عن طريق صديقي الأخ الدكتور أحمد عبد المجيد رئيس تحرير جريده (الزمان)طبعه العراق للمشاركة في مؤتمر شهدته تونس في تموز (يوليو) من ذلك العام.. وفي يوم 19 تموز (يوليو)، وقبل مغادرتي هذا البلد، لبيت دعوة عشاء أقامها الشاعر التونسي محمد مسعود الشابي في داره.. وانضم إلي هذه الدعوة السيد عبد الإله المشهداني والسفير الدكتور عصام شريف.. وقد شاهدت الدكتور سعدون حمادي جالسا في غرفة الضيوف، وعلمت أن الدكتور حمادي كان في زيارة خاصة لتونس لم يعلن عنها.. وفيما كان الحوار يمتزج بين المجاملة والجد وبين السياسة والأدب، طلبت من الدكتور حمادي بصوت خفيض، حيث تصادف مكان جلوسي علي يساره، وبطريقة استفهامية مبسطة ان يحدثني عن عزيز السيد جاسم ، بعد ان حدثته عن قلق عائلته لعدم استطاعتهم معرفة أية معلومات عنه منذ غيابه ، لقد تردد الدكتور حمادي كثيرا، قبل أن ينطق بطريقته المعروفة وبصوت استمع إليه جميع الحاضرين، أن عزيز السيد جاسم قد انتهي أمره منذ فترة طويلة وأضاف بأن الذين يعرفون هذه الحقيقة قلة، قليلة! وأردت معرفة المزيد، لكنه وبطريقته الدبلوماسية طلب الكف عن الحديث بهذا الموضوع! ولكنني، ومن هنا أقول، وبكل أمانة إني وجدت الدكتور حمادي يحمل هما يساوي همنا بشأن عزيز السيد جاسم.. ولمست إنه يكن لأبي خولة محبة كبيرة واعتزازاً أكبر لثقافته وموسوعيته.. ولمزيد مما دار في هذا الشأن..يمكن الرجوع إلي مقالتنا [(جريدة الزمان/العدد 1794/3 ايار(مايو) 2004]..
وهنا، أروي لكم السطور المكملة التالية، عند انتهاء دعوة العشاء، عدت إلي الفندق، فهاتفت صديقي أبا (رواء) الدكتور محسن الموسوي شقيق السيد عزيز السيد جاسم وكان يعمل أستاذا زائرا في قسم اللغة الإنكليزية بجامعة تونس، فرويت له ما سمعت،لكنه رجاني أن لا أنقل هذه الحقيقة إلي عائلة (أبي خولة) لأنه كان يدرك أن هذا الخبر سيصدمهم، وانتهت المكالمة، غير أن الدكتور محسن جاء إلي الفندق في ساعة متأخرة، للسلام، وقد حملني أمانة إلي صديقي محمد شقيق السيد عزيز السيد جاسم، وأعتقد أنه يتذكر ذلك حيث أوصلت الأمانة، لكني لم أوصل المعلومة الحزينة التي أخبرني بها الدكتور سعدون حمادي.. وبقيت هذه المعلومة لدي طيلة 4 سنوات قبل أن تري النور علي صفحات جريدة الزمان كما أسلفت.. فمعذرة لأني أول من أعلن النهاية الحزينة للأستاذ المفكر عزيز السيد جاسم.
والآن، أعود للحديث بعجالة أكثر عن عزيز السيد جاسم صحفيا.. فأقدم اعتذاري لأن حديثي سيكون حديث ذكريات حية،لن تغلفها المصطلحات والتنظيرات..
لقد مرت معرفتي بعزيز السيد جاسم في المجال الصحفي بثلاث محطات..
الأولي، كانت من إشارة سريعة لم تعش في ذاكرتي سوي لحظات، وكان ذلك بين عامي 66 ــ 67 من القرن الماضي، وقد كنت أعمل في جريدة العرب البغدادية ، حيث حدثني الفنان المعروف وجدي العاني قائلا أن والده يصدر جريدة في الناصرية،وهناك كاتب شاب معجب به والده اسمه (عزيز الموسوي) وهو يتمني أن يجد مجالا للنشر في جرائد العاصمة.. هذه هي المحطة الأولى، وهي كما ترون محطة ضبابية بسيطة.
لكن المحطة الثانية كانت مهمة.. ففي عام 1970 وتحديدا في أول أيار من ذلك العام، أصدرت جريدة الثورة مجلة اسمها (الغد) رأس تحريرها عزيز السيد جاسم... وقد وجدت نفسي ضمن هيئة تحريرها، وكان معنا الصحفي المخضرم ضياء حسن والناقد والصحفي سهيل سامي نادر والشاعر خالد يوسف والروائي المرحوم عادل عبد الجبار.. وكان من بين كتابها السيد عكاب سالم الطاهر، حيث أتذكر إنه نشر في المجلة موضوعا مهما ناقش فيه مقالا لمحمد حسنين هيكل، وكان الموضوع جريئا جدا، وأسمه كما أظن (قارب الحل السلمي) وقد طلب عزيز السيد جاسم وضع عنوان المقال علي الغلاف..
ومنذ ذلك التاريخ أيقنت أن عزيز يمتلك الحس الصحفي والذكاء المهني. واستمرت المجلة بالصدور وسط ترحيب المثقفين والكتاب التقدميين لأشهر قليلة لكنها توقفت، ولتوقفها قصة، لا مجال لذكرها الآن!
وأعود إلي عزيز السيد جاسم، صحفيا، وأذكّر بموضوعه الأشهر والأثير لديه الذي نشره في أيلول عام 1970 عند اشتداد معركة أيلول (سبتمبر) في الأردن، إذ سافر بمعية نعيم حداد، وعاد عصرا، فجلس في غرفته الصغيرة المطلة علي نهر دجلة بمبني جريدة الثورة القديم في شارع أبي نواس، ولم يطل جلوسه سوي ساعة واحدة حتي خرج بموضوع جميل، مؤثر، اسمه(دموعي في عمان) وسحبنا بروفة الصفحة الثالثة حيث مكان الموضوع.. وبحدود الساعة التاسعة مساء كان قد بدأ بقراءة الموضوع بصورته النهائية وأنا جالس عنده، ولا زلت أحتفظ بهذه البروفة لحد الآن، وعليها خط جميل للخطاط صادق الخزرجي.. ولا أعرف لماذا أسرعت بالقول وأنا في غرفته:ما رأيك يا أستاذ بتغيير العنوان إلي عنوان آخر.. فمد يده إلي شاربه مداعباً شعيراته.. وماذا تقترح قلت لنسميه (عمان حبيبتي) فضحك، ثم طلب الخطاط صادق ليغّير العنوان..
هكذا هو عزيز السيد جاسم، يتعامل مع الصحافة، بحرفية المهني، وبعقلية الباحث المثقف.. والأمثلة علي ذلك كثيرة..
وتستمرالأيام والسنين، ومعها تتجذر العلاقة الإنسانية.. وظل الأمر هكذا بيني وبين عزيز السيد جاسم محبة مشتركة واحتراماً متبادلاً..
وتأتي المرحلة الثالثة.. ففي العام 1985، تعرفت أكثر علي الوجه الصحفي لعزيز السيد جاسم، وأضافت هذه المعرفة، لي، خصائص صحفية عديدة للصحفي عزيز السيد جاسم.. أما كيف تم ذلك؟ فأقول: في عام 1985 نقلت وظيفيا من مدير تحرير العدد الأسبوعي لجريدة (الثورة) إلي موقع رئاسة تحرير مجلة (وعي العمال) ومعلوم إن هذه المجلة، ذات الإرث الثقافي والمهني العريق، ظلت تحت مسؤولية عزيز السيد جاسم كرئيس لتحريرها لسنوات طوال،واتمنى على صديقي المفترق عني او المفترق عنه لأكثر من عقدين ، بسبب الغربة والاغتراب ، الكاتب المتألق (جمعه اللامي) ان يكتب عن تلك الفترة من حياة عزيز السيد جاسم ، صحفيا حيث زامله طويلاً ..
ومثل أي صحفي يتسلم إدارة مطبوع جديد، رحت أبحث عن مرتكزات العمل السابقة من أجل الشروع بخطوات ذات تصورات مستقبلية.. فهالني ما وجدت من خفايا تنم عن أخلاقية صحفية ومهنية عالية.. وهي كمّ لا تستوعبه هذه العجالة.. ومن الأمثلة على ذلك:
وجدت هامشا كتبه سكرتير تحرير المجلة الزميل العزيز جمعة اللامي الى رئيس التحرير يقول فيه ما معناه أن مقال (فلان) لا يصلح للنشر، لضعف في بنيانه الصحفي.. فكتب رئيس التحرير عزيز السيد جاسم علي المذكرة نفسها: يا صديقي جمعة، ويقصد بذلك سكرتير تحريره أن (فلاناً) مشروع كاتب، وعلينا مساعدته لبلوغ هدفه، فحاول إعادة صياغة الموضوع دون المساس بفكرته واختيار عنوان صحفي..وأقترح العنوان التالي: وكتب العنوان.. ويمضي الزمن ، وإذا بهذا الشخص يصبح كاتبا لامعا ومحللا مرموقا.. هذا هو الحس الصحفي لعزيز السيد جاسم..
وأيضا.. وجدت أوامر إدارية عديدة بمنح مكافآت مالية وكتب شكر للصحفيين المتميزين في المجلة، وهذا يدلل علي متابعته للشأن الصحفي.. ووجدت أمرا بصرف مكافأة سخية لصحفي قدم فكرة لغلاف أحد أعداد المجلة..
وأيضا.. لاحظت إصراره العجيب ومخاطباته لأعلى المصادر المسؤولة في الدولة من أجل أن يصدر للمجلة قانون مشابه لقانون جريدة الثورة، وفعلا صدر هذا القانون وتمتع الصحفيون في المجلة بمكاسب مادية جيدة.
وبرغم من الميل الشخصي لعزيز السيد جاسم للكتابة المطولة، إلا إنني وجدت ملاحظات مكتوبة بخط يده موجهة إلي العاملين في المجلة بضرورة الاختزال دون المساس بالمعني، وأكد على اختيار العناوين بكلمات قليلة، لكنها واضحة الدلالة.
وأيضا وجدت حسه الصحفي، متمثلا في إعطاء خصوصية للخبر المحلي والمتابعة الخاصة.
وأيضا وجدت في أضابير العاملين في المجلة إشارات وهوامش تؤكد علي إنسانية عزيز السيد جاسم.. ولعل في مقدمة ذلك فتحه أبواب المجلة لكل صحفي اتعبته جريدتة او دائرته ولا شك أن الاستغراب سينتابكم إذا عرفتم أن كادر المجلة من الصحفيين والمصممين بلغ 175 شخصا..
اخيرا اقول، إن عزيز السيد جاسم كان معروفا كمفكر وكاتب سياسي، لكن الأضواء لم تسلط عليه كصحفي.. وأيضا كرسام له عشرات اللوحات.. وربما في مناسبة أخرى يتم التطرق إلي هذه الجوانب..
Zaidalhilly@yahoo.com
المشاركة في التعليق